حمد
 

حركة المجتمع الديمقراطي

حمد
 

03 September, 2006

صور من المؤ تمر

راديو سوا - العراق

 

                                                                                                                      

English

ا

ببغاء الثورة

أحمد عبد الحسين


في الدول التي تلقّنُ السلطةُ فيها الشعبَ الطاعةَ، يظهر عادةً ثوّارٌ يمارسون الثورةَ باستراتيجية السلطة ذاتها، فيلقّنون الشعبَ الثورةَ تلقيناً. وذلك ما يجعل من ثوّار كثيرين مشاريعَ مستبدين، ومن الثورات بذورَ قهرٍ، ومن الشعوب أفواهاً تردّد الشعارَ ونقيضه بحسب المواسم.

 ففي موسم غلبة السلطة و هياجها في الدفاع عن وجودها تهدر الحشودُ بكلمة (نعم) قويةً بما يكفي لإدامة الاستبداد ومنحه الشرعيةَ، وفي مواسم الثورة  يفصح العصيان عن نفسه بـ(لا) تفضح زيف الطاعة وهشاشتها.
لكنّ (نعم) و(لا) كلاهما رجع صدى لقائدٍ قويّ يملي على الهاتفين هتافهم. فثمة طاعة عمياء تقف خلف السلطة والثورة معاً.
غير ان الثورة لا تُلقّن، وإذا ما تمّ تلقينها قسراً فإنها تتنكر لاسمها وتعودُ نقضاً للعسف بعسف، وتبديلاً للاستبداد باستبدادٍ، وتغييراً للعنفّّ بعنفٍ أشدّ. بحيث يبدو الأمر كما لو أن الشعوب تثأر من طاعتها القديمة للسلطان بطاعةٍ جديدة لعدوّه، ومن صبرها على احتمال شعار النظام بصبر أشدّ على احتمال شعار الثورة، وفي الحالين لا رأي للشعوب "فرادى ومجتمعين" إلا ما يراه حاكمٌ وثائر يتناوبان على تلقين الشعبَ ما يقول.
ليست الثورة مجردَ نفيٍ لتلقين السلطة المختزلة بـ(نعم نعم) ليمكن اختصارها بكلمة بـ(كلا كلا)، هي ليستْ نفياً للتلقين، بل هي نهيٌ عنه. وليس الثائر هو الأجرأ في مجابهة الحاكم بقلب شعاره، بل هو الأقدر على الوعد بما لم تألفه الحشود من قبلُ: أن يكون لها صوتها الخاصّ، رأيها الذي لا يمكن أنْ تختزله (لا) يصرخ بها القائدُ المعبود وتردده من بعده حشود مريديه ليعود كلّ منهم إلى بيته فرحاً مطمئناً على سلامة الثورة.
يرضى الحاكمُ المستبدّ من الناس بشراء أفواههم في السلم، وفي حالة الحرب يرضى بشراء أصابعهم الضاغطة على الزناد دفاعاً عنه، وبعد ذلك لهم أن يتكلموا عنه في خلواتهم ما شاءوا، لهم أن يحتفظوا برأيهم الذي لن يقدّر له الظهور إلى العلن، ما دام العلنُ كلّه ملكاً لهذا الشعار القويّ الذي يُطلق على هيئة صيحة مدويّة في مظاهرة.
المستبدّ الثائر هو الآخر يكتفي من طاعة الناس بفمٍ وسبابةٍ شغالتين في السلم والحرب، يكفي أن يربط فمَ الجمع بفمه المقدّس فتكون (كلا كلا) بداية عهد جديد يُنسي الحشدَ هتافَ (نعم نعم)، ثم يكفيه أن تكون سباباتهم على الزناد إياه لكنْ تتغير الأهداف ووجهة التصويب.
تتغير الكلمةُ والطاعة واحدة، وتتبدل الأهداف والقتل واحد. فمن رحم القمع تطلّ الثورةُ برأسها أكثر قمعاً، ومن أنقاض الحرب يظهر رجلٌ ما يجبره رفضه للحرب على أن يجيّش الجيوش، في دورة أبدية لن تنتهي ما لم تنتهِ هذه الاستراتيجية التقليدية في السلطة والثورة عليها معاً، وهي استراتيجية تتلخص في ببغاويةٍ أدمنتها مجتمعاتنا التي لم تعرف سوى الطاعةِ العمياء التي لا تُنقَض إلا بطاعة، والعنف المتوحش الذي لا يجابَه إلا بعنف.
فليأتِ ذلك الفيلسوف الذي حذرنا من أن نتحوّل إلى وحوش ونحن نطارد الوحش، لينظر كيف أننا استبدلنا (نعم) الطاعة المذلة بـ(لا) أكثر إذلالاً وأشدّ مدعاةً لسحقنا مرة أخرى في هياج همجيّ أعمى، ليأتِ وليبصرْ كيف أننا بلا رأي خاصّ بنا، لسنا سوى أدواتٍ يتناولها من هو أشدّ بأساً ليفتك بمن شاء كيفما شاء. دون رأيٍ يخصنا وحدنا، لسنا سوى فمٍ يهتف وأصبع ينتظر من يضعه على الزناد ويصوّب على عدوّه.
دون أن تحلّ علينا تلك النعمة الإلهية دون أن تحلّ علينا تلك النعمة الإلهية التي تجعلنا بشراً كاملين "أيْ ذوي رأي"، سنظل بانتظار المنقذ الثائر الذي سيقول كلمته القوّية لنردّدها من بعدها بحماس ونعلن الثورةَ الببغائية القادمة. 

عن الصباح البغدادية 

جميع الحقوق محفوظة ـــ 200ــــ حركة المجتمع الديمقراطي